تاريخ الحركة الأرثوذكسية العربية في فلسطين
و السيطرة اليونانية على الكرسي الأورشليمي
الإهداء
أهدي هذا البحث إلى الجيل الناشئ حتى يلموا بالمعلومات التاريخية القيمة عن تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية العربية، وتراثها و نهضتها المباركة في الديار المقدسة، وليتطلع عن كثب على الجهد الكبير و التضحيات التي بذلها أجدادنا وآبائنا لاستعادة حقوق طائفتنا ورفع شأنها و تثبيت منجزاتها في كافة مناحي الحياة.
كما أهدي بحثي إلى الشهداء القديسين الذين ضحوا من أجل الكلمة و لكي تبقى كنيسة الله العلي. فعلينا نحن أبناء الطائفة الأرثوذكسية التشبث بجهاد الشهداء القديسين لتعريب كنيستنا ولنيل استقلالنا لتبقى كنيستنا لكل الأرثوذكسيين دون استثناء.
"فيا أيّها الشهداءُ القديسُون، الذينَ كَرَزوا بِحَملِ الله وذبحوا كالخِراف، و إلى الحياةِ الخالدةِ انتقلوا، اطْلُبوا إليهِ دائمًا، أن يَمنْحَنا حَلَّ الجرائِمِ و الزّلات"[1].
و على درب محبة مخلصنا يسوع المسيح له المجد الدائم و كنيستنا المقدسة فإنني أضع هذا البحث ليكون في متناول الجميع.
و الله تعالى من وراء القصد
[1] طروبارية الشهداء القديسين بحسب الطقس الشرقي للكنيسة الأرثوذكسية.
المحتويات
|
|
الإهداء |
|
|
|
المقـدمـــة |
|
|
|
الفصل الأول |
|
|
الكنيسة الرسولية الأورشليمية |
|
|
|
الحركة الأرثوذكسية العربية |
|
|
|
الطائفة الأرثوذكسية |
|
|
|
|
الفصل الثاني |
|
|
الخلاف داخل الكنيسة الأرثوذكسية |
|
|
|
دور روسيا القيصرية في حماية المسيحيين الأرثوذكس |
|
|
|
|
الفصل الثالث |
|
|
الانتفاضة للأرثوذكسية الأولى في فلسطين |
|
|
|
الانتفاضة للأرثوذكسية الثانية في فلسطين والانشقاق التاريخي للبطريركية المقدسية |
|
|
|
الطائفة الأرثوذكسية في عهد الانتداب البريطاني |
|
|
|
|
الفصل الرابع |
|
|
دور المسيحيين العرب الأرثوذكس في الصحافة الوطنية |
|
|
|
|
|
|
|
|
الخاتمة |
|
|
|
قائمة المصادر والمراجع |
|
|
"قانون رقم 27 لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية لسنة 1958" |
ملحق |
المقـدمـــة
الحمد الله الدائم الوجود الذي لسنائه تحق العبادة ويجب السجود[1]. أما بعد فإنني رأيت شدّة إفتقار أبناء طائفتنا الأرثوذكسية إلى باحث يطلعه على أحوال الكنيسة المنتمين إليها ويكشف لهم الستار عن كثير من الحقائق المخبوءة في بطن التاريخ. ولما كان السواد الأعظم من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية المرتبطين بالكرسي الأورشليمي لا يعرف عن تاريخ كنيسته إلا بعض الفقرات المبتورة التي لا تثبت حقاً ولا تدفع باطلاً ولا تروي غليلاً، أقدمت بعد الاتكال عليه تعالى على وضع هذا البحث الوجيز في تاريخ الكنيسة الأورشليمية، أشرح فيها خلاصة أحوال هذه الكنيسة وقد اعتمدت في وضعها على أوثق المصادر متوخياً فيها الحقائق؛ وقد قسمت البحث إلى عدة أبواب حسب تطور الأحوال السياسية في فلسطين وعن أحوالها في عهد الأتراك العثمانيين وعن حالتها في عهد الانتداب البريطاني.
ولما كان أهم الصفات التي يجب أن يمتاز بها مقدم البحث في عدم التحيز لفريق ضد آخر، ولذلك كان نقدي نقدًا بناءًا و علمياً حيث أبديت رأياً في كثير من المسائل التي تحتاج للتعليق والتذيل و لم اكتفي بذكر الحقائق التاريخية بل أضفت وجهات نظر تاركاً الحكم فيها للقارئ اللبيب.
كان المسيحيون العرب الأرثوذكس بين طليعة من دعى إلى القومية العربية، ولم تقتصر الدعوة على المسيحيين العرب بل دعى إليها المفكرون المسلمون والدعوة في مجملها كانت دعوة مخلصة صحيحة وكانت صرخة إيمان بحق العرب بحيث نُظر إلى دعاة القومية العربية من المسيحيين نظرة مواربة، واتهموا بأنهم قصدوا هدم الإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية (العثمانية)؛ وهذه قصة تعود إلى الظهور بين حين وآخر والغريب أنها مرتبطة إلى درجة كبيرة بالأصولية أو ما يسمى كذلك.
نحن عرب بقدر ما هو كل مقيم في أرض العربي عربي وأن لا أريد أن أذكر دور المفكرين المسيحيين الأرثوذكس العرب المحدثين في الكشف عن التراث الإسلامي العربي الضخم فهذا أمر يجب أن يكف عنه لأننا إنما نحن نقوم بذلك كشفاً عن تراثنا. نعم هذه حضارتنا التي بدأ العمل فيها قبل ستة آلاف سنة على أقل تعديل.
ولما كان الأرثوذكس في هذه البلاد لم يعيشوا منذ تأسيس الكنيسة حتى يومنا الحاضر منفردين فيها بل أحتكوا بدول وشعوب كثيرة مختلفة وكان تقلب الأحوال السياسية في البلاد ذا صلة بالأحوال الكنسية ومعلومات أخرى. ولما كانت العصمة والكمال من صفات المولى عز وجل فإنني أستميح عفواً وعذراً إذا وجدت بعض الأغلاط التي لم أتمكن من تلافيها.
إن الصعوبات التي واجهتني في كتابة هذا البحث هو شحت المراجع و المصادر في مكتبة جامعة بيت لحم، ولولا وجود الكم البسيط من المراجع و المصادر في مكتبة المنزل التي تتناول هذا الموضوع لما استطعت من انجاز هذا البحث و إخراجه إلى حيز الوجود.
والله ولـي الأمـر والـتـوفـيـق
[1] شحادة خوري، و نقولا خوري. خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية، ص ا
"من أجل صهيون لا أسكت ومن أجل أورشليم لا أهدأ حتى يخرج برها كضياء وخلاصها كمصباح يتقد “. ([1])
الكنيسة الرسولية الأورشليمية:
هي كنيسة صهيون الملقبة " بأم الكنائس " "ومسكن الإله العلي". بل هي الكنيسة المعينة منذ البدء من الله لأن تكون مركزاً لكنيسة المسيح القانونية ومركزها مدينة الملك العظيم " أورشليم" فالكنيسة الأورشليمية هي جماعة الأرثوذكس اللذين يقطنون تلك الأرض المباركة التي سكنها شعوب مختلفة وهم الجبابرة والكنعانيون والفلسطينيون وقطنها إبراهيم ودخلت في حوزة كورش والإسكندر وأنطيوخوس وبومبايوس وتيطس وهدريانوس وعمر بن الخطاب وصلاح الدين. ([2])
كما يمكننا تقسيم تاريخ تطورات هذه الكنيسة إلى ثلاثة أدوار رئيسية: فالدور الأول يعتبر من تاريخ إقامة أول أسقف لها عام 132. الدور الثاني من هذا التاريخ لغاية 1534 الدور الثالث من سنة 1934 إلى يومنا هذا .
الحركة الأرثوذكسية العربية:
أساس الحركة الأرثوذكسية العربية بأن تنال الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين وشرق الأردن حقوقها من دير الروم الذي يسيطر على موارده جماعة من اليونان امتلكوا كل شيء وهم قلة وحرموا الطائفة العربية كل شيء وهي الأكثرية، إزاء هذا الجور كان طبيعياً أن يناضل الأرثوذكس العرب لتعريب أديرتهم وكان طبيعياً أن يساندهم العرب المسلمون ويؤازرهم عبر مراحل نضالهم، فنشأ التآخي الوطني بين الفئتين مما أدى مع الزمن إلى اعتبار الأندية الأرثوذكسية والشبيبة العاملة فيها من قواعد الحركة الوطنية في البلاد. فتلك الأندية كانت بواسطة بعض رجالها المسؤولين والمنضمين إلى الحركة الوطنية تساهم في الأعمال الوطنية كجمع المال والتظاهر والعمل على تحقيق الوحدة والاستقلال. ([3])
الطائفة الأرثوذكسية:
الطائفة الأرثوذكسية تعتبر من أقدم الطوائف المسيحية في فلسطين، وأكثرها عدداً من عائلاتها في القدس والناصرة وعكا و عموم فلسطين وتعود إلى القبائل العربية القديمة من الغساسنة والتغالبة، ومنذ القرن الأول للميلاد وحتى الاحتلال العثماني عام 1516م بقيت رئاسة البلاد لرهبان يونانيين، استطاعوا بمساعدة السلطات العثمانية أن يوصلوا أحدهم إلى منصب البطريرك فعمل هذا وخلفه على صبغ البطريركية الأورشليمية بالصبغة اليونانية.
الخلاف داخل الكنيسة الأرثوذكسية:
إن الخلاف داخل كنيسة القدس الرسولية يعود في جذوره إلى إستيلاء عناصر يونانية على الهيئة التنفيذية للبطريركية عام 1534، وقد تجدد الخلاف عندما قام الروس اللذين كانوا يحاولون بسط نفوذهم في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في فلسطين بدعم العرب ضد الأكليريوس الأجنبي. ([4])
إذ مثلت هذه المرحلة اغتصاب الحقوق العربية بالكنيسة الرسولية المقدسية، وكانت الكنيسة في تلك الفترة عربية وطنية من قمة الهرم الأكليريكي إلى الراهب العادي ولكن مع تعيين البطريرك جيرمانوس عام 1514 إثر وفاة البطريرك عطا الله، بدأت الصورة تتغير بحيث تمكن البطريرك جيرمانوس أثناء الثلاثين عاماً التي ترأس بها الكنسية من إقصاء رجال الدين العرب وحصرها في أبناء جنسه بحيث غدا جميع المطارنه من اليونان، واجتهد وجعل لنفسه خليفةً يونانية. وقد بلغ هذا البطريرك من المكر والخبث حداً بحيث أقنع الوطنيين السذج من أهالي القدس بالتنازل عن مساكنهم وبيوتهم للدير حتى لا يدفعوا الضرائب. ([5])
دور روسيا القيصرية في حماية المسيحيين الأرثوذكس:
وقد كان من الطبيعي أن يكون لروسيا القيصرية موقف من الصراع بين البطريركية وبين أبناء الطائفة وخاصة أن روسيا حصلت من السلطان عام 1770 في معاهدة كوجوك- قينارجه على اعتراف بحقها في حماية الأرثوذكس، وقد تدخلت روسيا لتصحيح أحوال كنيسة القدس ووقفت بجانب البطريرك سوفرونيوس الذي سعا من أجل جعل روسيا يداً تستند عليها العناصر العربية، وبالرغم من محاولة اليونانيين وضع حد لهذا التحدي الروسي الوطني نجحت السفارة الروسية كذلك في تعيين البطريرك كيرلس الثاني في عام 1845 وقد عاصرت فترة رئاسة الكنيسة نهضة ثقافية وتربوية مما أكسبه محبة رعيته، ونظراً لأهمية فلسطين والأرثوذكس العرب في سياسية روسيا الخارجية تم تأسيس إرسالية روسية في القدس في سنة 1858 مع التعليمات في الاعتبار بالأكليروس الوطني وبالشعب الوطني الأرثوذكسي والاهتمام بتهذيبه وتربيته على أقوى المبادئ لحفظ الأرثوذكسية التي كادت أن تكون إسماً بلا مسمى.
قد استاء رهبان الدير المقدس من هذا التطور الخطير وقرروا مقاطعة البطريرك والتخلص منه، ووقف الوطنيون مع كيرلس مطالباً بحقوقهم المشروعة في كنيستهم، واحتدم الصراع وحدثت الاضطرابات ضد الدخلاء، ولكن رشوة المسؤولين للعثمانيين حال دون تحقيق المطالب الشرعية للعناصر الوطنية واستطاع الرهبان اليونان إعادة السيطره على البطريركية الذي استمر حتى الوقت الحاضر. ([6])
الانتفاضة للأرثوذكسية الأولى في فلسطين:
إن أول تمرد للأرثوذكس الفلسطينين، كان عام 1860 وقد حصل أثر تمرد مماثل في سوريا، وإثر استقلال البطريركية في روسيا وفي البلقان عن البطريركية اليونانية أيضاً في اسطنبول، إلا أن التمرد قد فشل لمساندة السلطة العثمانية الأجنبية لليونانيين الأجانب، فكانت النتيجة أن أخذ الروم الأرثوذكس يعتبرون أنفسهم عرباً ويصنفون حركتهم بأنها حركة عربية، وقد انزعجت السلطات من زعماء الطائفة المتواصلة إلى درجة أنها أبعدت عن البلاد سابا الخوري، وحنا زخريا، وموسى الصوابيني.[7]
الانتفاضة للأرثوذكسية الثانية في فلسطين والانشقاق التاريخي للبطريركية المقدسية: ([8])
أما التمرد الثاني كان إثر صدور الدستور سنة 1908 وقام الأرثوذكس العرب بالمظاهرات واحتلوا دار البطريركية والكنائس والأديرة، وفرضوا عليها العربية والصلاة بها. ولما حاولت السلطة إخراجهم بالقوة وملأت الشوارع بالجنود هب المسلمون العرب إلى تأيد الأرثوذكس فقاد المظاهرة مفتي القدس الشيخ كامل الحسيني، وهنا أعلنت الدولة عزمها على إرسال وفد رسمي للتحقيق.
وفي مدخل هام من تاريخ البطريركية المقدسية الإنشقاق البطريركي الذي حصل للبطريرك ديميانوس وسأفرد بعض التفاصيل التاريخية التي تتلخص فيما يلي :
مع إجتهاد البطريرك ديميانوس وإخلاصه لأخوية القبر المقدس أعتقد أعضاء المجمع المقدس أن البطريرك لا يستطيع أن يقف أمام تيار النهضة الوطنية التي يبديها أبناء الطائفة العربية الأرثوذكسية وأنه يتعاطف معهم لإعطائهم حقوقهم وتحقيق مطالبهم وهذه السياسة على حد تفكيرهم من شأنها القضاء على كيان الأخوية ونتيجة لذلك طالبوا بخلعه وقد عملوا له مكيدة خلال الجلسة عقدها المجمع المقدس برئاسة البطريرك وأثناء الجلسة وجهوا له الانتقاد الشديد مما اضطروه للخروج من الجلسة وحلها ولشدة غيظه منهم فكتبوا قرار الاستقالة في سجل المجمع المقدس بعد خروجه وهو لا يعلم لا يدري بذلك وجاء في كتاب الخلع ما يلي :
"إن البطريرك ديميانوس خلع من الكرسي لعدم اقتداره على القيام بأعباء وظيفته الروحية ولتقصيره في اكتساب الثقة والاحترام لنفسه ولأنه داس على المبادئ الأخوية المقدسة وقوانينها الداخلية وشرائعها الجوهرية وقراراتها الدينية"[9] .
رفض البطريرك هذا الإجراء بحجة أنه لا صلاحية للمجمع المقدس بعزله وعندها تكالبت عليه الأمور من جميع الكنائس والبطريركيات خارج البلاد للمصادقة على عزله إلا أنه وقف أمامها ثابتاً وغير متزعزع بانتصار شعبه الوطني الأرثوذكسي ووقوفه معه، وصادف في تلك السنة حلول عيد الميلاد المجيد في بيت لحم عندها تدخلت السلطة العثمانية وحكمت بطريقة صلحيه حيث خولت المطارنة بإقامة إحتفالات عيد الميلاد المجيد بدل من البطريرك وهكذا صار. أما من ناحية أبناء الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين فعندما علموا بإسقاط البطريرك انتصروا له لأنهم رأوا إن إنفراد أخوية القبر المقدس في إسقاطه استبداد محض وتعدي على حقوق الشعب الأرثوذكسي عندها قام أبناؤنا الأرثوذكسيون قومة الرجل الواحد لأجل تثبته مهما كلفهم الأمر دفاعاً عن حقوقهم وعلى أثرها أبرموا إلى السلطات العثمانية محتجين وقد احتشد الجمهور أثناء إحتفالات عيد الميلاد في بيت لحم وبعدها جرت مظاهرات عديدة حماسية في جميع المدن إحتجاجاً على إسقاطه شاركهم فيها إخوانهم المسلمون وأرسلوا وفداً أرثوذكسياً كبيراً إلى الأستانة للإحتجاج كان ذلك في مطلع عام 1909م وقد تألف الوفد من السادة جورجي زخريا، خليل السكاكيني عن القدس حنا العيسى، فريد كساب عن يافا،خليل قزاقيا، يعقوب دحبوره عن بيت لحم، إسكندر الخوري عن بيت جالا ([10])، بشارة قعوار عن الناصرة، فضول رييز عن حيفا، جاد حبيب حوا عن عكا، وبشارة عطا الله عن جنين[11]. وأول عمل قام به الوفد الإحتجاج على التدخل البطريرك المسكوني يواكيم الثالث في شؤون الكنيسة الأرثوذكسية في القدس ومنذ عام 1872 و1908 طالب العرب بمجلس مختلط من العرب واليونان لإدارة البطريركية وحدثت اضطرابات ومناهضة للأكليروس في المدن الرئيسية العربية بما في ذلك بيت لحم، وفي عام 1910 أمرت الحكومة العثمانية بتشكيل مجلس مختلط إلا أن الحرب العالمية الأولى وضعت حداً لهذا المجلس وللتحريض العربي للحصول على إصلاحات في الكنيسة الأرثوذكسية، ومع بداية الاحتلال البريطاني عام 1917 بعث الخلاف العربي اليوناني من جديد، واستأنف التحريض العربي، وبدأ على هذه الحركة أنها إصلاحية دينية فاتخذت منحاً وطنياً عربياً في الوقت نفسه الذي كان الوعي العربي فيه يتصاعد .
الطائفة الأرثوذكسية في عهد الانتداب البريطاني:
بقي المواطنون يعتبرون دير الروم الأرثوذكس حكومة ضمن حكومة، وفي عهد الانتداب البريطاني حيث لم ينل الأرثوذكس العرب أيضاً مطالبهم، ولم ينجحوا في تنفيذ تقرير السير أنطون بيرترم الذي تضمن الاعتراف بحقوق الطائفة، ولم ينجحوا في تحويل قضيتهم إلى الجزء من القضية العربية الوطنية، وقد أقر المؤتمر الوطني الفلسطيني السادس أن القضية الأرثوذكسية هي جزء لا يتجزأ من القضية الوطنية العامة.
منذ سنة 1924 أخذت تنشأ في المدن أندية للشبيبة، كان أولها نادي الاتحاد الأرثوذكسي في القدس،وهدفه خدمة الملة الأرثوذكسية العربية ورفع شأنها، والعمل على نيل حقوقها، وقد تغير اسم النادي فيما بعد إلى النادي العربي الأرثوذكسي، كان رئيسه فوته فريج، كما أن للطائفة في القدس شكلت هيئة وطنية تنطق باسمها وحزب يدعى حزب النهضة الأرثوذكسية برئاسة نخلة كتن، ويوجد هناك دلائل تاريخية سجلت في صفحات النضال الشعبي الفلسطيني خلال الانتداب يبين مدى علاقة المسلمين والمسيحيين في مجابهة التحديات المريره .
دور المسيحيين العرب الأرثوذكس في الصحافة الوطنية:
دور المسيحيين العرب الأرثوذكس في الصحافة الوطنية كان لها الزخم المعنوي والسياسي من مناهضة الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية.ومن أهم الأعمال الصحفية في فلسطين كانت جريدة بيت المقدس وهي مجلة سياسية أدبية للأستاذ بندلي إلياس مشحور ( أرثوذكسي عربي ) استمرت في الصدور حتى عام 1926. وصدرت أيضاً في بيت لحم جريده صوت الشعب للأستاذ عيسى البندك وحنا دكرت ( وكلاهما أرثوذكسي عربي)، وكانت تحمل أخبار الوطن إلى الجالية العربية في المهجر ودول أمريكا اللاتينية. وكذلك جريده فلسطين للأستاذ عيسى العيسى ( أرثوذكسي عربي ) وجريدتا الكرمل لنجيب نصار ( أرثوذكسي عربي )، والنفائس العصرية لخليل بيدس( أرثوذكسي عربي ) [12].
من الموضوعات الهامة التي شغلت بال الصحافة في عهد الانتداب الحركة الوطنية الفلسطينية والنهضة العربية وظهور الحركات الثقافية. كما نالت مطالب العرب المسيحيين في المشاركة في إدارة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مكانة هامة بالإضافة إلى التضامن المسيحي الإسلامي في وجه وعد بلفور والهجرة الصهيونية وحكم الانتداب. ولا تزال الحركة الأرثوذكسية في يومنا الحاضر تعاني من أزمات عديدة في توضيح العلاقة بين الطائفة الأرثوذكسية العربية ودير الروم اليوناني إذ توجد هناك فجوات حضارية وثقافية من الصعب تضيقها إلى أن الاجتهاد قائم وعنصر الحوار مبدأ نعتز به في إزالة العثرات والوصول إلى قواسم مشتركة في تحويل مسار الطائفة الأرثوذكسية. ولابد من التساؤل والمناقشة وإعطاء الأدلة والحجج في دعم المواقف التي تحاول أن تصل بتحديد هذه العلاقة بالحوار المفتوح وبناء الجسور.
[1] الكتاب المقدس، سفر أشعياء 1:62
[2] خليل إبراهيم قزاقيا، تاريخ الكنيسة الرسولية الأورشليمية، ص 10
[3] مروان إميل طوباسي، " نشرة المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول"،د.ص. وهذا المؤتمر ُشكِّل عام 1992 في مدينة القدس ردًا على ممارسات البطريركية من بيع العقارات الوقفية الأرثوذكسية للصهاينة والانتهاكات التي مورست من قبل غبطة البطريرك ذيوذوروس ( ثيوذورس) الأول بحق أبناء الطائفة.
[4] رندة مريبع، الصراع بين الأكليروس اليوناني وطائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين ، ص30
[5] خليل إبراهيم قزاقيا، تاريخ الكنيسة الرسولية الأورشليمية، ص 94-99.
[6] المصدر السابق، ص169-175.
[7] رندة مريبع، الصراع بين الأكليروس اليوناني وطائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين ، ص 123
[8] حنا عيسى مَلك، طائفة الروم الأرثوذكس عبر التاريخ، ص36-40.
[9] نفس المكان.
[10] اسكندر الخوري البيتجالي هو شاعر من مدينة بيت جالا وهو من أعلام الفكر والأدب في فلسطين له عدّة دواوين شعرية.
[11] جميع الشخصيات المذكورة أعلاه كانت اللبنة الأولى التي بنضالها شكلت المجلس المختلط الأول.
[12] مروان إميل طوباسي، "نشرة المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول"، د.ص.
قائمة المصادر والمراجع
1. خوري، شحادة.، و نقولا خوري. خلاصة تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسية. القدس الشريف، مطبعة بيت المقدس، 1 كانون الثاني 1925م، 384ص.
2. زيادة، نقولا. المسيحية والعرب. دمشق، قدمس للنشر والتوزيع، 2000م، 274ص.
3. طوباسي، مروان. " لمحات تاريخية معاصرة للحركة الأرثوذكسية في فلسطين" . نشرة المؤتمر العربي الأرثوذكسي الأول. القدس، د.ن، 1992م.
4. قزاقيا، خليل إبراهيم. تاريخ الكنيسة الرسولية الأورشليمية. مصر، مطبعة المقتطف والمقطم، 1924م، 275ص، من الحجم الكبير.
5. مريبع، رندة. الصراع بين الأكليروس اليوناني وطائفة الروم الأرثوذكس في فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين. رسالة أعدّت لنيل شهادة الماجستير، نُشِرت، كلية الدراسات العليا في جامعة بيرزيت – فلسطين، 1999م.
6. مَلك،حنا عيسى. طائفة الروم الأرثوذكس عبر التاريخ. القدس، د.ن، 2000م، 191ص.
الخاتمة
لقد شرعت الأبواب وفتحت نوافذ التاريخ لكي أنتزع منه من الحقائق والأحداث الأساسية والرئيسية ما يتناسب وبحثي، فلو جاريت ما حمل به التاريخ لاضطررت إلى كتابة مئات الصفحات ولاحتجت إلى الوقت الطويل لكنني اعتزمت أن أجتزئ بالقليل كي يقرأ، وأكتفي باليسير لكي لا ألعن، فإنني أضع أمام القارئ صورة واضحة المعالم بينة الخطوط أساسها أن المسيحية وهي بذره واحده أصلاً إنتشرت في رقعة واسعة الكثيرة الخلفيات الحضارية – أثنيه و ثقافية و لغوية و تنظيمية – المتباينة.
إن الطبيعة البشرية لا تسمح دوماً لوجهات النظر المتباينة أن تسير في طريقها الطبيعي والتي ترى فئات معينة فيها أن من واجبها رد الجماعة إلى نفسها، باعتبارها هي التي تسير في الطريق الصحيح وأن غيرها مخطأ؛ فإن تدخل السلطات لنصرة رأي دون آخر أو جماعة دون أخرى فتسوء العقبة إذ كان يكون مثل نتيجة هذا الموقف اضطهاد رسمي ضد الفريق الآخر[1] .
ونحن لا ننكر أن التجارب السياسية المتنوعة التي تعرض لها المسيحيون الأرثوذكسيون في شرقنا العربي من أيام الحروب الصليبية لليوم وعبر ما تقوم به الدول والمنظمات الغربية قد حملت بعضهم على أن يخطأوا سواء السبيل. لكن مثل هذا الخطأ لم يقتصر على المسيحيين الأرثوذكس وحدهم. إن مراجعة دقيقة لتاريخ الوطن العربي منذ السابع عشرا تظهر صدقا لهذا الكلام.
إن مقدمات وأوقاف أي طائفة من طوائف شعبنا في بلادنا هذه جاءت حصيلة لما أوقفه أجدادنا وآباؤنا من أراضي وأملاك وأموال لمعابدهم، متوخين أن تبقى وتصان وتستغل بالشكل الصحيح لخدمة أبناء الطائفة ومجتمعهم.
إن رئيس أي طائفة من الطوائف حتى وأن امتلك نتيجة ظروف تاريخية معينة الحق في أن يكون مؤتمنا على الأوقاف فإنه لا يمتلك إطلاقاً أي حق أدبي أو أخلاقي بتصفية هذه الأوقاف.
إنني أناشد من هنا مراراً وتكراراً كافة المسؤولين الكنسيين والمدنيين أيضاً وجميع أصحاب الضمائر الحية الذي يدركون أن أرضنا هي جذورنا في أرضنا، بالتدخل لإيقاف ما يحدث من عبث واستهتار بالأوقاف يهدف على المدى البعيد إلى تعزيز هجرة أبنائنا إلى دنيا الغربة وتصفية وجودنا وبقاءنا في هذه البلاد.
إن حرصنا على إيقاف نزيف الهجرة إلى خارج البلاد، وأبطال عوامله واحتواء أبعاده وإسقاطاته، لا يعني أبداً أننا نريد لوطننا أن يصبح معتقلاً لطموحات شبابنا، لكننا وفي ذات الوقت لا نريد أبنائنا أن تصبح كل طموحاتهم منحصرة في هجرة من وطنهم وغياب عن ديارهم وتشتت وضياع في كثير من الحالات، في دنيا الله الواسعة... بعبارة أخرى، نحن نؤمن أنه إن كان لا بد من هجرة البعض من أبنائنا ، فلتكن هجرتهم مجرد انطلاقة من قاعدة ثابتة ومتينة، عسى أن دار الدولاب يوماً وقد يدور فعلاً إما بحلول سلام مرتقب في شرقنا، وإما باضطراب الأوضاع في بلاد المهجر- عندئذ تصبح قاعدة الانطلاق ذاتها محطة إستقبال قادرة على إستيعاب المغتربين العائدين، فيعطي مضمون عملي ربما لأول مره لشعار طالما ردد " إننا لعائدون "[2] .
"أيتها الأرثوذكسية، تعصف بكِ آلاف الرياح، وتحاربك آلاف القوات المظلمة وتثور، تريد اقتلاعك من العالم وتكافح لانتزاعك من قلوب الناس. أرادوا أن يجعلوا منك أملاً مفقوداً، متحفاً وماضياً مأساوياً وتاريخاً مرّ عليه الزمن وانتهى. إلا أن الله القدير، الثالوث القدوس المحسن الكليّ الوداعة والحكمة، هو الذي يسيطر على هذه الفوضى، ويرميك في زاوية أبعد ما يمكن عن التوقع ويغطّيك كوردة تحت صخرة. إنه يحافظ عليك في نفوس أبسط الناس، الذين ليس لهم أية سلطة أو معرفة دنيوية. وها أنتِ باقية حتى اليوم. ها أنت لا تزالين حيّة موجودة تغذّين الأجيال الناشئة، وتفلحين كل بقعة جيدة من الأرض، وتوزعين قوة وحياة وسماءً ونوراً وتفتحين للناس أبواب الأبدية"[3].
نقولا زيادة، المسيحية والعرب ، ص 144-155[1]
[2] نقولا زيادة، المسيحية والعرب ، ص 144-155
[3] مقولة القديس نكتاريوس أسقف المدن الخمس.
الملحق
قانون رقم 27 لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية لسنة 1958
الفصل الرابع من القانون ويدعى المجلس المختلط [1]
المادة10-1 يؤلف مجلس مختلط من:-
أ- البطريرك رئيساً وفي حالة غيابه يتولى الرئاسة من يعينه البطريرك من أعضاء المجلس الإكليركيين .
ب- نائب رئيس علماني ينتخبه الأعضاء العلمانيون الآتي بيانهم في الفقرة(د) من بينهم .
ج- خمسة أعضاء أكليركيين أردنيين يعنيهم المجمع المقدس .
د. ثمانية أعضاء علمانيين أردنيين ينتخبهم أهالي الأردن الأرثوذكس بالطريقة التي تعين وفق أحكام هذا القانون .
2- لا تعتبر جلسات المجلس المختلط قانونية إلا بحضور ثلثي أعضاء المجلس على الأقل، وتصدر قرارات المجلس بأغلبية تسعة أصوات .
المادة 11- للبطريرك في المجلس الصلاحيات والواجبات التالية :
أ- إدارة كافة الأملاك التابعة مباشرة للبطريرك في المجلس والتصرف بها وفقاً لأحكام القانون وشروط أية وقفية تتعلق بها .
ب- الاطلاع على الموازنة العامة والمصادقة على موازنات المجالس الطائفية المحلية .
ج- الإشراف على إشراف شؤون التربية والتعليم في المدارس الأرثوذكسية العلمانية وتعيين المديرين والمعلمين فيها والاتفاق عليها .
د- تعيين الموظفين التابعين للمجلس المختلط .
المادة 12 يكون البطريرك في المجلس شخصية معنوية لها صلاحية امتلاك الأموال المنقولة وغير المنقولة وتسليم المبرات والوقفيات والتصرف بها بصفته المتولي من أجل أية غاية متصلة بصلاحيات البطريرك في المجلس أبو بواجباته والإدعاء والدفاع باسمه لدى المحاكم والقيام بأي عمل تقتضيه صلاحياته وواجباته .
المادة 13 يتولى البطريرك أو نائبة في حالة غيابه تنفيذ جميع القرارات التي يتخذها البطريرك في المجلس .
المادة 14 يجوز للبطريرك في المجلس بموافقة مجلس الوزراء أن يضع أنظمه من أجل تنفيذ صلاحيات واجبات البطريرك في المجلس بمقتضى هذا القانون وخاصة بشأن الأمور التالية :
أ- انتخاب أعضاء المجلس المختلط العلمانيين .
ب-تشكيل المجالس الطائفية المحلية وطرق انتخابها وصلاحياتها وواجباتها .
ج- سائر الأمور المتعلقة بإدارة شؤون واجتماعات المجلس المختلط والمجالس الطائفية المحلية أو المتصلة بها من حيث الشكل والكيفية.
المادة 15 يجوز للبطريرك في المجلس أن يمنح لأي مجلس من المجالس الطائفية المحلية حق ممارسة أي صلاحية من صلاحياته وأن يخصص لذلك المجلس الطائفي المحلي جزءاً من أموال البطريرك في المجلس مما يعتبره البطريرك في المجلس ضرورياً لتأمين مصلحة الطائفة الأرثوذكسية على الوجه الأوفى.
[1] نشر هذا القانون في العدد 1385 من الجريدة الرسمية للملكة الأردنية الهاشمية المؤرخ في 1 حزيران عام 1958م.